أبي منصور الماتريدي

628

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

حتى أن من الكفرة من يحرم الذبائح والنحر ؛ للآلام التي فيها ، والطباع تنفر عن ذلك ؛ فتعبده بالذي فيه مناقضة طبعه ونفاره عنه . وجائز أن يكون لا على الأمر بالصلاة والنحر ، ولكن معناه : إذا فعلت ذلك فافعل لله ؛ لأن أولئك الكفرة كانوا يصلون للأصنام ، ويذبحون لها ؛ كقوله : وَما ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ [ المائدة : 3 ] ، أي : للنصب ، فأمره أن يجعل ذلك لله تعالى . وقال الحسن « 1 » : فَصَلِّ لِرَبِّكَ صلاة العيد ، وانحر البدن بعدها . وقال مجاهد وعطاء « 2 » : صل الصبح بجمع ، وانحر بمنى . وقال بعضهم « 3 » : فَصَلِّ لِرَبِّكَ حقيقة الصلاة ، وهي الصلاة المعروفة المفروضة ، وهي مخ العبادة ؛ على ما ذكر في الخبر . وكذلك ما ذكر أن المصلي مناج الرب تعالى ، وهو - والله أعلم - لأنه ما من عبادة إلا وفيها شيء من اللذة وقضاء شهوة النفس وأمانيها من السير ، والركوب ، والأكل ، والشرب ، والكلام ، والانتقال من موضع إلى موضع ، وغير ذلك من الطاعات مما فيه شيء من اللذة للنفس وقضاء شهوتها - وإن قل « 4 » - من الحج والزكاة والجهاد وغير ذلك ، إلا الصلاة نفسها ؛ فإن فيها قطع النفس عن جميع شهواتها وأمانيها ، وعن جميع ما يتلذذ به من أنواع اللذات ، وعلى ذلك ما سمي موسى - عليه السلام - : كليم الله ، ونجيه ؛ لأنه فارق قومه وجميع ما للنفس فيه لذة وراحة ، وأتى جبلا ليس فيه « 5 » أحد ، وكلمه ربه في ذلك ؛ فسمي : نجي الله ، وعلى ذلك سمي المصلي : مناجيا ربه ، وخص بذلك الاسم ؛ لما ذكرنا . وقوله - عزّ وجل - : وَانْحَرْ : هو ما ذكرنا من نحر البدن الذي تعبده للكل ؛ لما فيه من نفار النفس بالتألم الذي يحصل لغيره بفعل غيره ؛ فالتألم به بفعل نفسه أكثر من التألم بفعل غيره ، وهو مجاهدة النفس وتغير ما امتحنه - عليه السلام - بتحمل المشقة لوجهه تعالى مرة بالتبليغ إلى الكفرة مع الخطر على نفسه ، ومرة بمجاهدة نفسه بالقيام بالليل ، ومرة بإتيان خلاف الطبع ، وهو ذبح البدن ؛ إذ الطبائع تنفر عن إراقة الدماء مع أنه أشفق

--> ( 1 ) أخرجه ابن جرير ( 38202 ، 38203 ) . ( 2 ) أخرجه عبد الرزاق ، وابن جرير ( 38201 ، 38206 ) ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم كما في الدر المنثور ( 6 / 689 ) . ( 3 ) قاله ابن عباس أخرجه ابن جرير ( 38195 ) وابن المنذر عنه كما في الدر المنثور ( 6 / 689 ) . ( 4 ) في ب : قيل . ( 5 ) في أ : به .